للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن قريب، فلا تراه قط معرِضًا. والحريص بعكس ذلك كله: قد نسي الآخرة، وأظلم قلبه من قوة (١) حرصه، فلا تراه قط أبيضًا.

قال المؤلف لهذا الكتاب: كان عندي رجل من أولياء الله تعالى، وكان إذا صلى ورده في الليل ثم فرغ ينشد (هذه الأبيات ويبكي، وهي هذه الكلمات) (٢):

إلى كم يراك الله يا عبدُ عاصيًا … حريصًا على الدنيا وللموت ناسيًا

ودمعك لا يجري وقلبك قاسيًا … (ما ذاك إلا من عصيان نفسك) (٣) قاسيًا

مَرَّ عيسى ابن مريم برجل نائم تحت ظل شجرة، فوكزه برجله وقال له: يا هذا، قم فاعبد الله. فقال: يا نبي الله، قد عبدت الله بأفضل العبادات. قال: وما هي (٤)؟ قال: تركت الدنيا لأهلها. قال له: إذَنْ فنَمْ (٥).

وفي الخبر أيضًا: أنًّ عيسى رأى الدنيا على صورة عجوز شمطاء، (بياض شعرها يخالطه سواده) (٦)، فسألها فقالت: أنا الدنيا. فقال لها: فأين أبناؤك؟ قالت: قتلتُ البعضَ، وأنا آخذة في قتل الآخرين (٧).


(١) في (ق): لشدة.
(٢) ليست في (ق).
(٣) ليست في (ق).
(٤) في (ق): بماذا.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٤٠٦، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٤/ ١٩٥، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٩/ ٩ بألفاظ متقاربة.
(٦) من (ب).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (٢٧)، وذكره الغزالي في «الإحياء» ٣/ ٢١٤ - ٢١٥، والمناوي في «فيض القدير» ٢/ ٦٩١: أن عيسى ابن مريم رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت. قال: فقال عيسى : بؤسًا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحدًا واحدًا، ولا يكونون منك على حذر؟!

<<  <  ج: ص:  >  >>