نزَلتِ الفرائضُ بعدُ. وقولُه هذا يَدُلُّ على أنّ الإيمانَ عندَه قولٌ وعملٌ، واللهُ أعلمُ، وهو قولُ الطَّائفتين اللَّتين ذكَرْنا قولَهم قبلَ قول ابن شهابٍ، كلُّهم يقولُ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
وقد اختلَفوا في تاركِ الصلاةِ كما رأيتَ، واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ، أعني مذهبَ ابن شهابٍ، في أنّه يُضْرَبُ ويُسْجَنُ ولا يُقْتَلُ - بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إلهَ إلّا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلّا بحَقِّها". قالوا: وحقُّها الثلاثُ التي قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمان، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قَتْلُ نفسٍ بغير نفسٍ"(١).
قالوا: والكافرُ جاحدٌ، وتاركُ الصلاةِ المقرُّ بالإسلام ليس بجاحدٍ ولا كافرٍ، وليس بمستكبرٍ ولا معاندٍ، وإنّما يُكَفَّرُ بالصلاةِ مَن جحَدها واسْتَكبَر عن أدائها.
قالوا: وقد كان مؤمنًا عندَ الجميع بيَقينٍ قبلَ تركِه للصلاة، ثم اختلَفوا فيه إذا ترَك الصلاةَ، فلا يَجِبُ قتلُه إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف، فالواجبُ القولُ بأقلِّ ما قيل في ذلك، وهو الضربُ والسَّجنُ، وأمّا القتلُ ففيه اختلافٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ. واحتجُّوا أيضًا بقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "سيكونُ عليكم بعدِي أمراءُ يُؤخِّرُون الصلاةَ عن ميقاتِها، فصلُّوا الصلاةَ لوَقْتِها واجْعَلُوا صلاتَكم معهم
(١) أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في الأم ١/ ٢٩٤ و ٦/ ٣ قال: أخبرنا الثقة من أصحابنا عن حماد (بن زيد) عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان بن عفّان رضي الله عنه مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٢/ ٧ (١٥٦٤١) من طريق الشافعي، به. ويروى من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: "لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنِّي رسول الله، إلا باحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثَّيِّبُ الزاني، والمارق من الدّين التارك للجماعة" أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث عبد الله بن مرّة، عنه.