هو رأيُ مالكٍ في هؤلاء حَسْبُ؟ قال: بل في كلِّ أهل البدع. قال القاضي: وإنّما رأى مالكٌ ذلك فيهم لإفسادِهم في الأرض، وهم أعظمُ إفسادًا من المحاربين؛ لأنّ إفسادَ الدِّين أعظمُ من إفسادِ المال، لا أنّهم كفّارٌ.
قال أبو عُمر: فهذا مالكٌ يُريقُ دماءَ هؤلاء وليسوا عندَه كفّارًا؛ فكذلك تاركُ الصلاةِ عندَه من هذا الباب قتلُه، لا من جهةِ الكُفرِ.
وممّا يدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ كفرًا يَنقُلُ عن الإسلام إذا كان مؤمنًا بها، مُعتَقِدًا لها، حديثُ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:"أُمِرَ بعبدٍ من عبادِ الله أن يُضْرَبَ في قبرِه مئةَ جلدةٍ، فلم يَزَلْ يَسألُ اللهَ ويدعُوه، حتّى صارَتْ جَلْد واحدةً فامْتَلأ قبرُه نارًا، فلمّا أفاقَ، قال: علامَ جَلَدْتمُوني؟ قالوا: إنّك صَلَّيْتَ صلاةً بغَيرِ طُهورٍ، ومرَرْتَ على مظلوم فلم تَنْصُرْه"(١).
قال الطحاويُّ: في هذا الحديث ما يَدلُّ على أنّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأنّ مَن صلَّى صلاةً بغيرِ طُهورٍ لم يُصَلِّ، وقد أُجِيبَتْ دَعْوَتُه ولو كان كافرًا ما أُجِيبَتْ له دعوةٌ؛ لأنّ اللهَ تباركَ وتعالى يقولُ:{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}[غافر: ٥٠]. وقد ذكَرنا إسنادَ حديثِ ابن مسعودٍ هذا في بابِ يحيى بن سعيدٍ، عندَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمسُ صلواتٍ كتَبهُنَّ اللهُ على العباد". ثم قال:"ومَن لم يَأْتِ بهنَّ فليس له عندَ الله عهدٌ؛ إنْ شاءَ عَذَّبَه، وإن شاء غفَر له"(٢).
وممّا يدُلُّ على أنّ الكفرَ منه ما لا يَنْقُلُ عن الإسلام قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "يَكْفُرْنَ العشيرَ، وَيكْفُرْنَ الإحسانَ"(٣).
(١) صحيح، أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٨/ ٢١٢ (٣١٨٥) من حديث شقيق بن سلمة عن ابن مسعود رضي الله عنه. وسيذكره المصنف في موضعه من كتابه بإسناد الطحاوي مع قوله الآتي بعده. (٢) الموطأ ١/ ١٨١ (٣٢٠)، وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في باب يحيى بن سعيد. (٣) سلف تخريجه.