واحتجُّوا أيضًا بقولِ عبد الله بن عمرَ: لا يَبلُغُ المرءُ حقيقةَ الكُفرِ حتى يَدعوَ مثنَى مثنَى. وقالوا: يَحتَمِلُ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَزْني الزَّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ". يريدُ مُستكمِلَ الإيمان؛ لأنّ الإيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وَينقُصُ بالمعصيةِ، وكذلك السارقُ، وشاربُ الخمر، ومَن ذُكِرَ معهم. وعلى نحو ذلك تأوَّلوا قولَ عمرَ بن الخطّاب: لا حَظَّ في الإسلام لمن ترَك الصلاة (١). قالوا: أراد أنه لا كبير حَظٍّ له، ولا حظًّا كاملًا له في الإسلام. ومثلُه قولُ ابن مسعودٍ وما أشْبَهَه، وجعَلوه كقوله:"لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلّا في المسجدِ"(٢) أي: أنّه ليس له صلاةٌ كاملةٌ.
ومثلُه الحديثُ:"ليس المسكينُ بالطَّوّاف عليكم"(٣) يريدُ ليس هو المسكينَ حقًّا؛ لأنّ هناك من هو أشدّ مَسْكنةً منه، وهو الذي لا يسألُ، ونحوُ هذا ممّا اعْتَلُّوا به.
وقد رأى مالكٌ استتابةَ الإباضيّةِ والقَدَريّة، فإنْ تابوا وإلّا قُتِلوا؛ ذكَر ذلك إسماعيلُ القاضي، عن أبي ثابتٍ، عن ابن القاسم (٤)، وقال: قلتُ لأبي ثابتٍ:
(١) سلف تخريجه في هدا الباب. (٢) ضعيف، أخرجه الدارقطني في السنن ٢/ ٢٩٢ (١٥٥٢) من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا، وأخرجه أيضا ٢/ ٢٩٢ (١٥٥٣)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٥ من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. ويروى موقوفًا من حديث أبي حيّان - يحيى بن سعيد التيمي - عن أبيه عن عليّ رضي الله عنه. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٣١ عن هذا الحديث: "مشهور بين الناس وهو ضعيف، ليس له إسناد ثابت، أخرجه الدارقطني عن جابر وأبي هريرة، وفي الباب عن عليّ وهو ضعيف أيضًا". وانظر العلل المتناهية ١/ ٤١٣ (٦٩٣). (٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند ٦/ ١٤٥ (٣٦٣٦) من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن ابن مسعود رضي الله عنه، و ١٥/ ٤٦٥ (٩٧٤٧) من حديث محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩) من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس ... ". (٤) المدونة ١/ ٥٣٠، وينظر البيان والتحصيل لابن رشد ١٦/ ٤١٠ فيما نقله أيضًا عن سحنون وقول مالك في أهل البدع الإباضية والقدرية وجميع أهل الأهواء.