وَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِفَاضَةِ الْإِمَامِ لِخَوْفِ الزِّحَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ بَعْدَ إفَاضَةِ الْإِمَامِ دَعَتْ بِشَرَابٍ فَأَفْطَرَتْ ثُمَّ أَفَاضَتْ.
قَالَ (وَإِذَا أَتَى مُزْدَلِفَةَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بِقُرْبِ الْجَبَلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُقَيَّدَةُ يُقَالُ لَهُ قُزَحَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا الْجَبَلِ، وَكَذَا عُمَرُ ﵂، وَيَتَحَرَّزُ فِي النُّزُولِ عَنْ الطَّرِيقِ كَيْ لَا يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ فَيَنْزِلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. قَالَ (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ. وَلَنَا رِوَايَةُ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلِأَنَّ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهِ فَلَا يُفْرِدُ بِالْإِقَامَةِ إعْلَامًا، بِخِلَافِ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى وَقْتِهِ فَأَفْرَدَ بِهَا لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ (وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْجَمْعِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ أَوْ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ أَعَادَ الْإِقَامَةَ
عَلَيْهِ دَمٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ بِأَنْ نَدَّ بَعِيرُهُ فَتَبِعَهُ، إنْ جَاوَزَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَاوَزَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ أَصْلًا أَوْ عَادَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ فَدَفَعَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْغُرُوبِ سَقَطَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ تَدَارَكَهُ فِي وَقْتِهِ.
وَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ مَدُّ الْوُقُوفِ إلَى الْغُرُوبِ وَقَدْ فَاتَ وَلَمْ يُتَدَارَكْ فَيَتَقَرَّرُ مُوجِبُهُ وَهُوَ الدَّمُ. قُلْنَا: وُجُوبُ الْمَدِّ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ بَلْ الْوَاجِبُ مَقْصُودُ النَّفْرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَوُجُوبُ الْمَدِّ لِيَقَعَ النَّفْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْمَقْصُودُ فَسَقَطَ مَا وَجَبَ لَهُ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ. وَغَايَةُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنْ يُهْدِرَ مَا وَقَفَهُ قَبْلَ دَفْعِهِ فِي حَقِّ الرُّكْنِ، وَيَعْتَبِرَ عَوْدَهُ الْكَائِنَ فِي الْوَقْتِ ابْتِدَاءَ وُقُوفِهِ، أَلَيْسَ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الرُّكْنُ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ دَمٍ.
وَلَوْ تَأَخَّرَ الْإِمَامُ عَنْ الْغُرُوبِ دَفَعَ النَّاسُ قَبْلَهُ لِدُخُولِ وَقْتِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالذِّكْرِ مِنْ حِينِ يُفِيضُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ ثُمَّ تُفِيضُ، فَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهَا كَانَ لِقَصْدِ التَّأْخِيرِ لِخِفَّةِ الزِّحَامِ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَمَكُّنِ الْوَقْتِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِمَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ سُوءَ خُلُقِهِ.
وَقُزَحُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ مِنْ قَازِحٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَزَحَ الشَّيْءَ إذَا ارْتَفَعَ، وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ فِي آخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْمُزْدَلِفَةَ مَاشِيًا وَالْغُسْلُ لِدُخُولِهَا
(قَوْلُهُ وَلَنَا رِوَايَةُ جَابِرٍ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا» وَهُوَ مَتْنٌ غَرِيبٌ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute