وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ فِيهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ
الْجَنَّةَ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ قَالَ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ لِتَضْحَكَ فِيهَا فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟ قَالَ: إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْت مِنْ جَزَعِهِ» وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَأَعَلَّهُ بِكِنَانَةَ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ: كِنَانَةُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا، فَلَا أَدْرِي التَّخْلِيطَ فِي حَدِيثِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ، وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ فَهُوَ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ وَذَلِكَ لِعِظَمِ مَا أَتَى مِنْ الْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ «فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ الْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ» الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشُّعَبِ، فَإِنْ صَحَّ بِشَوَاهِدِهِ فَفِيهِ الْحُجَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا دُونَ الشِّرْكِ اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ وَقَدْ كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَئُوبَ فَقَالَ: يَا بِلَالُ أَنْصِتْ النَّاسَ، فَقَامَ بِلَالٌ ﵁ فَقَالَ: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَصَتَ النَّاسُ فَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبَعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَثُرَ خَيْرُ رَبِّنَا وَطَابَ».
وَفِي كِتَابِ الْآثَارِ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي رَهْطٍ نُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالرَّبَذَةِ رُفِعَ لَنَا خِبَاءٌ فَإِذَا فِيهِ أَبُو ذَرٍّ فَأَتَيْنَا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَدَّ السَّلَامَ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ؟ فَقُلْنَا: مِنْ الْفَجِّ الْعَمِيقِ، قَالَ: فَأَيْنَ تَؤُمُّونَ؟ قُلْنَا: الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَشْخَصَكُمْ غَيْرُ الْحَجِّ؟ فَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا مِرَارًا، فَحَلَفْنَا لَهُ فَقَالَ: انْطَلَقُوا إلَى نُسُكِكُمْ ثُمَّ اسْتَقْبِلُوا الْعَمَلَ.
وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتُجَاوِزُ اللَّهِ ﷿ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» (قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَحَلَّفَهُ عَلَيْهِ فَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ «فَلَمَّا رَمَاهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ» وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقْطَعَ إلَّا عِنْدَ الْحَلْقِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بَاقٍ قَبْلَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيَأْتِي بِهَا إلَى آخِرِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا كَالتَّكْبِيرِ وَآخِرُهُ مَعَ الْقَعْدَةِ لِأَنَّهَا آخِرُ الْأَحْوَالِ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute