للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أَنَّهُ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَثِيرًا، فَأَسْقَطَ عَطَاءً مَرَّةً وَابْنَ مُحَيْصِنٍ أُخْرَى، وَصْفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ، وَأَبْدَلَ ابْنَ مُحَيْصِنٍ بِابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ عَبْدَرِيَّةً تَارَةً وَيَمَنِيَّةً أُخْرَى.

وَفِي الطَّوَافِ تَارَةً، وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُخْرَى اهـ.

وَهَذَا لَا يَضُرُّ بِمَتْنِ الْحَدِيثِ إذْ بَعْدَ تَجْوِيزِ الْمُتْقِنِينَ لَهُ لَا يَضُرُّهُ تَخْلِيطُ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا طَرِيقُ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنِي مَعْرُوفُ بْن مِشْكَانَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُخْتِهِ صَفِيَّةَ قَالَتْ «أَخْبَرَنِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللَّاتِي أَدْرَكْنَ رَسُولَ اللَّهِ قُلْنَ دَخَلْنَا دَارَ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ فَرَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَطُوفُ» إلَخْ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَالْجَوَابُ: أَنَّا قَدْ قُلْنَا بِمُوجِبِهِ إذْ مِثْلُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى إفَادَةِ الْوُجُوبِ، وَقَدْ قُلْنَا بِهِ، أَمَّا الرُّكْنُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَإِثْبَاتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إثْبَاتٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ مُفَادَ هَذَا الدَّلِيلِ مَاذَا؟ وَالْحَقُّ فِيهِ مَا قُلْنَا. لِأَنَّ نَفْسَ الشَّيْءِ لَيْسَ إلَّا رُكْنَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ.

فَإِذَا كَانَ ثُبُوتُ ذَلِكَ الشَّيْءِ قَطْعِيًّا لَزِمَ فِي ثُبُوتِ أَرْكَانِهِ الْقَطْعُ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا هُوَ ثُبُوتُهُ، فَإِذَا فُرِضَ الْقَطْعُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِهَا. وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا تَحَقَّقْت هَذَا فَجَوَابُ الْمُصَنِّفِ بِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى كُتِبَ اسْتِحْبَابًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ مُنَافٍ لِمَطْلُوبِهِ، فَكَيْفَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ بَعْضَ الْأَدِلَّةِ؟ بَلْ الْعَادَةُ التَّأْوِيلُ بِمَا يُوَافِقُ لِلْمَطْلُوبِ فَكَيْفَ وَلَا مُفِيدَ لِلْوُجُوبِ فِيمَا نَعْلَمُ سِوَاهُ؟ فَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي إثْبَاتِ الدَّعْوَى، فَإِنَّ الْآيَةَ وَهِيَ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وَقِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَالْإِجْمَاعُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْوُجُوبِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَقُولُ بِهِ، إذْ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْفَرْضِ الْمُوجِبِ فَوَاتُهُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فَالثَّابِتُ الْخِلَافُ، وَالْفَرِيقَانِ مُتَمَسَّكُهُمْ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ عَنْ الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَتُهُ إلَى مَا لَيْسَ مَعْنَاهُ بِلَا مُوجِبٍ، بَلْ مَعَ مَا يُوجِبُ عَدَمَ الصَّرْفِ بِخِلَافِ لَفْظِ " كُتِبَ " فِي الْوَصِيَّةِ لِلصَّارِفِ هُنَاكَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُفِيدُ أَنَّ الرَّادَّ بِالسَّعْيِ الْمَكْتُوبِ الْجَرْيُ الْكَائِنُ فِي بَطْنِ الْوَادِي إذَا رَاجَعْته، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِلَا خِلَافٍ يُعْلَمُ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ التَّطَوُّفُ بَيْنَهُمَا، اتَّفَقَ أَنَّهُ قَالَهُ لَهُمْ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْجَرْيِ الشَّدِيدِ الْمَسْنُونِ لَمَّا وَصَلَ إلَى مَحَلِّهِ شَرْعًا أَعْنِي بَطْنَ الْوَادِي، وَلَا يُسَنُّ جَرْيٌ شَدِيدٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، إنَّمَا هُوَ مَشْيٌ فِيهِ شِدَّةٌ وَتَصَلُّبٌ.

ثُمَّ قِيلَ: فِي سَبَبِ شَرْعِيَّةِ الْجَرْيِ فِي بَطْنِ الْوَادِي " إنَّ هَاجَرَ لَمَّا تَرَكَهَا إبْرَاهِيمُ عَطِشَتْ فَخَرَجَتْ تَطْلُبُ الْمَاءَ وَهِيَ تُلَاحِظُ إسْمَاعِيلَ خَوْفًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَتْ إلَى بَطْنِ الْوَادِي تَغَيَّبَ عَنْهَا فَسَعَتْ لَتُسْرِعَ الصُّعُودَ فَتَنْظُرَ إلَيْهِ " فَجُعِلَ ذَلِكَ نُسُكًا إظْهَارًا لِشَرَفِهِمَا وَتَفْخِيمًا لِأَمْرِهِمَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ الشَّيْطَانُ لَهُ عِنْدَ السَّعْيِ فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إبْرَاهِيمُ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

وَقِيلَ: إنَّمَا سَعَى سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا إظْهَارًا لِلْمُشْرِكِينَ النَّاظِرِينَ إلَيْهِ فِي الْوَادِي الْجَلَدَ

<<  <  ج: ص:  >  >>