= ثم ذكر له حديثًا. واقتصر أبو داود على قوله: "كان شيعيًا" وهذا بإطلاقه لا يطلق إلا على من يناصر عليَّ بن أبى طالب وآل بيته، وهو بتلك الصورة بعكس ما مضى. والصواب الأول؛ لكونه من قول الراوى عنه، وهو أعلم الناس به. ولأجل هذا القول - مع ما مضى من القول بجهالته -: أدرجه جماعة في الضعفاء. أما ما يتعلق بالجهالة: فقد مضى أن قول أبى حاتم ما صح عنه. نعم: قد انفرد عنه أبو عمران الجونى - وهو ثقة معروف - بالرواية! لكن مضى أن الدارقطنى قد قال عنه: "لا بأس به" وهذا ظاهر في كونه سبر حديثه فلم يجد فيه ما ينكر. وكذا ذكره ابن عدى في "الكامل" [٧/ ٢٧٨]، ثم قال: "ومن طريقه عن عائشة أحاديث مشاهير" ولم يتكلم فيه ببنْت شَفة. فقول الدارقطنى عندى معتمد في تمشية حال الرجل، ولا عبرة بتوثيق ابن حبان له؛ فإنى لا أراه سبر حديثه، كما يدل على ذلك ترجمته القصيرة جدًّا له، وكما هو المعروف من توثيقه أمثال هذه الطبقة المتقدمة من رجالات الصدر الأول. وأما قولهم: "كان من الشيعة الذين قاتلوا عليًا" فلم أفهم منه إلا أحد أمرين: ١ - إما أن يكون ابن بابنوس كان رجلًا شيعيًا ثم انقلب على على - رضى الله عنه - والتحق بكلاب النار! - أعنى: هؤلاء المَرَقة المعروفين بالخوارج - فإن كان كذلك - وهو عندى بعيد - فلم يظهر لنا أنه كان يدعو إلى مذهبه الخارجى، ورواية أهل البدع - غير الدعاة لها - مجروفة لدى المحققين. ٢ - وإما أن يكون من أولئك الذين حاربوا عليًا، لأجل مطالبتهم بدم عثمان. وقد يكون تشيَّع أول أمره، ثم تحوَّل عثمانيًا يسعى إلى ما سعى إليه جماعات مشهورة، ولو صح عنه ذلك - وهو الأقرب لى - فليس كل مَنْ حارب عليًا؛ لأجل المطالبة بدم عثمان يعد فاسقًا ساقط العدالة. نعم هو معدود من الطائفة الباغية الخاطئة، لكن هذا لا يوجب التجريح أصلًا. وقد حارب عليًا جماعةٌ من صفوة الصحابة والتابعين، فما غمزهم في دينهم أو عدالتهم إلا كل هالك، فانتبه فالمقام ضيِّقٌ للغاية. بل أزيد وأقول: ليس بمجرد كون الراوى لا يحب عليًا - مع كونه لا يُبغضه فضلًا عن أن يسبَّه - يصير ناصبيًا، بل لا يكون النصب إلا مع البُغض أو السب. وكذلك لا يُرْمَى الرجل بالرفض إلا إذا سبَّ أحد الصحابة سبًا صريحًا. أما عدم المحبة مع التوقف عن الشتم والثلْب: ففيها تفصيل مشروح - مع الذي مضى - في مكان آخر. =