مالى، أنا أكثر قريش مالًا، قالت: يا بنى أنفق، فإنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول:"إِنَّ مِن أَصْحَابِى مَنْ لَمْ يرَنِى بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ"، فخرج عبد الرحمن فلقى عمر فأخبره بالذى قالت أم سلمة، فجاء عمر فدخل عليها، فاقال:"بِاللَّهِ، مِنْهُمْ أَنَا؟ " قالت: لا، ولن أبرئ أحدًا بعدك.
= قلتُ: وهذا إسناد صحيح حجة؛ والأعمش وإن كان إمامًا في التدليس، ولم يذكر في هذا الحديث سماعًا؛ لكنه كان مكثرًا من الرواية عن أبى وائل؛ والمدلس إذا أكثر من الرواية عن شيخ له، وعرف بملازمته؛ ثم حدَّث عنه ولم يذكر منه سماعًا؛ فإن حديثه عنه يكون قائمًا مقام التصريح بالسماع منه؛ كما جزم بذلك الحميدى - شيخ البخارى - وغيره من حذاق النقاد؛ ولهذا نص الذهبى في "الميزان" [٣/ ٣١٦]، على أن رواية الأعمش عن أبى وائل وأبى صالح السمان وإبراهيم النخعى وأضرابهم محمولة على الاتصال أبدًا؛ وإن لم يذكر منهم سماعًا، وقد بسطنا الكلام في شرح هذه المسألة بمكان آخر. وقد اتفق أبو معاوية الضرير وجرير بن عبد الحميد - في رواية عنه - على رواية هذا الحديث عن الأعمش عن أبى وائل عن أم سلمة به. ورواه إبراهيم بن طهمان والثورى ومحمد بن عبيد وغيرهم عن الأعمش عن أبى وائل قال: (دخل عبد الرحمن بن عوف على أم سلمة ... ) ولم يقولوا: (عن أبى وائل عن أم سلمة) وهذا ليس بعلة إن شاء الله؛ لأن أبا وائل تابعى كبير مخضرم قد أدرك الجاهلية وعاش في صدر الإسلام؛ وروايته عن أم سلمة ثابتة في "صحيح مسلم" [٩١٩]، وعند أصحاب "السنن". فكل شئ يرويه عنها: فهو محمول على السماع أبدًا؛ اللَّهم إلا أن يحكى عنها قصة يستحيل أوْ يبعد أن يكون قد حضرها، إذا عرفت هذا: فقد قال البزار عقب روايته: "رواه الأعمش وغيره عن أبى وائل عن أم سلمة، وأبو وائل روى عنها ثلاثة أحاديث؛ وأدخل بعض الناس بينه وبينها مسروقًا". قلتُ: يشير البزار إلى أن الأعمش قد خولف في سنده، خالفه عاصم بن بهدلة، فرواه عن أبى وائل فقال: عن مسروق عن أم سلمة به نحوه .. ، فأدخل فيه واسطة بن أبى وائل وأم سلمة، هكذا أخرجه أحمد [٦/ ٣١٢]، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" [٤٤/ ٣٠٧]، والطبرانى في "الكبير" [٢٣/ رقم ٧١٩، ٧٢٠، ٧٢١]، من ثلاثة طرق (شريك القاضى، وإسرائيل، وعمرو بن أبى قيس الرازى) عن عاصم به ... وهو باختصار عند الطبراني. =