إلى الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا هذا، ولكنه أمرٌ من أمر الله تبارك وتعالى، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا عليه، وكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وأظهر الحق {وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)} [الأعراف: ١١٨، ١١٩]، وامرأة فرعون بارزةٌ متبذلةٌ تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.
فلما طال مكث موسى لمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاءه بآيةٍ وعده عندها أن يرسل بنى إسرائيل، فإذا مضت أخلف مواعيده، وقال: هل يستطيع ربك [أن] يصنع غير هذا؟ فأرسل الله عليه وعلى قومه الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آياتٍ مفصلاتٍ، كل ذلك يشكو إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه أن يرسل معه بنى إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده، حتى أمر بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين، يتبعهم بجنودٍ عظيمة كثيرةٍ، فأوحى الله إلى البحر أن إذا ضربك عبدى موسى بعصاه، فانفرق اثنى عشر فرقًا حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقى بعده من فرعون وأشياعه، فنسى موسى أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر وله قصيفٌ مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافلٌ، فيصير عاصبًا.
فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال قوم موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)}
[الشعراء: ٦١]، افعل ما أمرك ربك، فإنك لن تُكذب ولن تَكذب، فقال: وعدنى إذا أتيت، البحر أن يفرق لى اثنى عشر فرقًا حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه، فانفرق له حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فالفرق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلهم، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم كما أمر الله.
فلما أن جاوز موسى البحر، قالوا: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، فلا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه، فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.