{إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ}[طه: ٤٧]، {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)} [طه: ٤٩]، فأخبره بالذى قص الله عليك في القرآن، قال: فما تريد؟ وذكّره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت، وقال: إنى أريد أن تؤمن باللَّه وترسل معى بنى إسرائيل، فأبى عليه ذلك، وقال: ائت بآيةٍ إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حيةٌ عظيمةٌ فاغرةٌ فاها، مسرعةٌ إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدةً إليه خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوءٍ، يعنى من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)} [طه: ٦٣] يعنى ملكهم الذي هم فيه والعيش، فأبوا أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لنا السحرة، فإنهم بأرضك كثيرٌ حتى يغلب سحرهم سحرهما، فأرسل في المدينة، فحُشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون، قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا واللَّه ما أحدٌ في الأرض يعمل السحر بالحيات والعصى الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ فقال لهم: إنكم أقاربى وخاصتى، فأنا صانعٌ إليكم كل ما أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[طه: ٥٩].
قال سعيدٌ: حدثنى ابن عباسٍ أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيدٍ، قال الناس بعضهم لبعضٍ: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ({لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)} [الشعراء: ٤٠]، يعنون موسى وهارون، استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى - لقدرتهم بسحرهم -: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)} [الأعراف: ١١٥]، قال بل ألقوا، {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)} [الشعراء: ٤٤]، فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفةً، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه:{أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}[الأعراف: ١١٧]، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجعلت العصيّ بدعوة موسى تلبس بالحبال حتى صارت جرزًا