= وعود على بدء فنقول: هذا الحديث قد أنكره جماعة من النقاد على عمرو بن أبي عمرو، فأخرجه الترمذي في "علله" [رقم ٢٦٥]، ثم نقل عن البخاري أنه قال: "عمرو بن أبي عمرو صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عن عكرمة .... ولا أقول بحديث عمرو بن أبي عمرو، أنه من وقع على بهيمة أنه يقتل". وكذا أنكره عليه أبو داود والعجلى وغيرهما، وهو ظاهر تصرف الترمذى أيضًا، وقد نقل ابن القيم في الجواب الكافى [ص ١٢٤]، عن الإمام أحمد أنه ضعَّف هذا الحديث، وكذا ضعفه الطحاوي وغيره. وعمرو بن أبي عمرو مختلف فيه، والصواب أنه صدوق كما قاله البخاري وغيره؛ لكنه كان يروى مناكير عن عكرمة كما مضى من قول البخاري. وقد وجدتُ ابن رجب قد نقل في "شرحه على العلل" [ص ٣٤٦/ طبعة السامرائى]، عن الإمام أحمد أنه قال عن عمرو: "كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة"، قال ابن رجب: "لكنه - يعنى أحمد - نسب الاضطراب إلى عكرمة لا إلى عمرو". قلتُ: عكرمة ثقه ثبت متقن، فإن كان ثمَّ اضطراب في رواية عمرو عنه، فهو من عمرو بلا تردد إن شاء الله، وقد أشار البخاري إلى هذا فيما مضى؛ لكن إن ثبت أن من أنكر هذا الحديث على عمرو إنما أنكره؛ لكونه قد صحَّ عن ابن عباس أنه أفتى بخلافه وقال: (ليس على الذي يأتى البهيمة حد) كما أخرجه أبو داود [٤٤٦٥]، والترمذى عقب [رقم ١٤٥٥]، وجماعة بإسناد حسن إليه. فهذا الانكار محل نظر آنذاك. وقد توبع عليه عمرو، تابعه جماعة عن عكرمة كما قاله البيهقي في "سننه" [٨/ ٢٣٤]، لكن لم يصح من ذلك شيء قط، بل اختلف على المتابع في سنده كما بسطناه في كتابنا "غرس الأشجار". وللحديث شاهد عن أبي هريرة مرفوعًا بإسناد كأن لم يكن، كما يأتى عند المؤلف [برقم ٥٩٨٧]، واللَّه المستعان. • تنبيه: لفظ البيهقي في الموضع الثاني: (ملعون من وقع على بهيمة. وقال: اقتلوه واقتلوها؛ لا يقال: هذه التي فُعِلَ بها كذا وكذا). قلتُ: وهذا سياق غريب، أشمُّ منه رائحة اضطراب عمرو بن أبي عمرو فيه على عكرمة، وقد مضى عند الجماعة أن تعليل القتل إنما هو من قول ابن عباس موقوفًا عليه.=