= قلتُ: هذا إسناد قوى مستقيم. لكن لا يزال الميْلُ بأقوام حتى يحملهم على خلاف ما يعتقدون، فترى البيهقى - وهو الحافظ الإمام - يُعل هذا الحديث بما لو أخذناه على وجهه لأضر به نفسه، فيقول في "سننه" [٢/ ٤٠٣]، عقب روايته هذا الحديث: " .. حماد بن سلمة عن أبى نعامة السعدى عن أبى نضرة، وكل واحد منهم مختلف في عدالته، وكذلك لم يحتج البخارى في "الصحيح" بواحد منهم، ولم يخرجه مسلم في كتابه مع احتجاجه بهم في غير هذه الرواية". قلتُ: قد كرهنا للبيهقى هذا الكلام جدًّا، لكنه لا يكرهه لنفسه، وكم أوقعه تعصبه لإمامه في مزلات كان هو في غنى عنها. أما حماد بن سلمة فشيخ الإسلام، جليل القدر، رفيع الذكر، ليس فيه شئ إلا أن حفظه قد تغيَّر بآخرة فقط. أما قول البيهقى في "سننه" [٤/ ٩٤]: "وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره ... " فدعوى عريضة، ردَّها عليه المعلمى في "التنكيل"، وأكملناه نحن في "المحارب الكفيل". أما إعراض البخارى عن إخراج حديثه، فقد لاموا البخارى عليه لومًا شديدًا، راجع ترجمة حماد من "ثقات ابن حبان" [٦/ ٢١٦]، والبخارى مجتهد على كل حال. وكم ترك من ثقات مشاهير لم يخرج لهم شيئًا في كتابه! وأما أبو نضرة فثقة مشهور، لم يثبت فيه جرح البتة. وأما أبو نعامة السعدى فوثقه ابن معين وابن حبان ومشاه أبو حاتم والدارقطنى، ولم يتكلم فيه أحد إلا هذا المتأخِّر. وأما كون مسلم لم يخرج هذا الحديث في (كتابه) مع كونه قد احتج بروايته، فنقول: كم خارج "الصحيحين" من أحاديث صحيحة على شرطهما! ومسلم وشيخه لم يشترطا أن ما لا يُخرجانه يكون ضعيفًا، ولماذا إذا صُنِّفت المستدركات على "الصحيحين"؟! والكلام هنا طويل الذيل. راجع "الجواهر النقى في الرد على البيهقى" [٢/ ٤٠٢]. وقد توبع عليه حماد بن سلمة: تابعه الحجاج بن الحجاج الباهلى عند ابن خزيمة [٧٨٦]، وأبى نعيم في "أخبار أصبهان" [ص ١٥٦]، وكذا تابعه أيوب، لكن اختلف عليه في إسناده، راجع "علل الدارقطنى" [١١/ ٣٢٨]، وقبله [٨/ ١١١]، و"علل ابن أبى حاتم" [رقم ٣٣٠]. وقد ذكر الإمام في "الثمر المستطاب" [١/ ٣٣٢]، أن حماد بن زيد قد تابع حماد بن سلمة أيضًا عند (أبى داود) وهو كذلك عند أبى داود [٦٥٠]، لكن عاد الإمام في "الإرواء" [١/ ٣١٥]، وذكر أن ما وقع عند أبى داود إنما هو وهْم من بعض النساخ وأن صوابه "حماد بن سلمة" فهو صاحب هذا الحديث. وهذا هو الصواب بلا جدال. =