وقالَ ابنُ القَاسِمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ دِيَةُ البكْرِ في مِثْلِ هَذا القَتْلِ على القَاتِلِ في مَالِهِ لَا على عَاقِلَتِهِ، وذَلِكَ أَنَّ القَاتِلَ قُتِلَ من حَدَّهُ الجَلْدُ لَا القَتْلُ، فَلِذَلِكَ يُؤَدِّي دِيتَهُ إلى أَوْلِيائِهِ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عَلِي بنِ أَبي طَالبٍ: (أَنا أَبو حَسَنٍ إن لَمْ يَأتِ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطِ برُمَّته) [٢٧٣١]، يَعْنِي: إنْ لَمْ يَأتِ القَاتِلُ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُم رَأَوا ذَلِكَ مِنْهَمَا كَالمِرْوَدِ في المَكْحَلَةِ وإلَّا قُتِلَ القَاتِلُ، لأَنَّهُ مُتَّهَمٌ في هَذا القَتْلِ، فإذا شَهِدَتْ لَهُ البيِّنَةُ بِرُؤيَةِ الزِّنَا ارْتَفَعَ عَنْهُ القَتْلُ، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ.
وقَوْلُهُ لَهُ: (أَنا أَبو حَسَنٍ)، إنَّما قَالَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْجَبَتْهُ فِرَاسَتُهُ في هَذِه المَسْأَلةِ، إذ سُئِلَ عَنْهَا فقالَ: (إنَّ هَذا لشَيءٍ مَا هُوَ بَأَرْضِي)، يُرِيدُ: أَنَّ هَذِه القِصَّةَ لَوْ نَزَلَتْ بأَرْضِي وفِي نَظَرِي لَرُفِعَتْ إليَّ، فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّها نَزَلَتْ بأَرْضِ الشَّامِ، قالَ: (أَنا أَبو حَسَنِ)، ثُمَّ أَفْتَاهُ فِيهَا بالوَاجِبِ، وهَذَا مِنْ فِرَاسَةِ المُؤْمِنِ.
* قالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - للَّذي وَجَدَ المَنْبُوذَ فأتَاهُ بهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (مَا حَمَلَكَ على أَخْذِ هَذِه النَّسَمَةِ؟ فقالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً) [٢٧٣٣]، قَالَ مَالِكٌ: اتَّهَمَهُ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ أتاهُ لِكَي يَفْرِضَ لَهُ في بَيْتِ المَالِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عَرِيفُ ذَلِكَ الرَّجُلِ: (يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالحٌ)، يَعْنِي: لَا يُخَاطِبُكَ إلَّا بالحَقِّ، صَدَّقَهُ حِينَئِذٍ عُمَرُ في قَوْلهِ، وقَالَ لَهُ: (اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ)، يَعْنِي: هَذا المَنْبُوذُ حُرٌّ لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَيْهِ مِلْكٌ.
وقَوْلُهُ: (ولَكَ وَلاَؤهُ)، يَعْنِي: أَنْتَ الذي تتَولَّى تَرْبِيَتَهُ، والقِيَامَ بأُمُورِهِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وهَذِه وِلاَيَةُ الإسْلاَمُ لا وِلاَيَةُ العِتْقِ، لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١).
وقَوْلُهُ: (وعَلَينَا نَفَقَتُهُ)، يَعْنِي: يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ.
قالَ عِيسَى: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَدْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وقَسَّمَ
(١) تقدم تخرج هذا الحديث في باب العتق.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.