رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قالَ: "لا يَحِلُّ لِمُسْلم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث" (١)
فَذَكَزتُ قَوْلَ أَبي عُمَرَ لأَبي مُحَمّدٍ، فقالَ لِي: هذِه قِصَّةٌ اضْطَرَبتْ الرِّوَايةُ فِيها، فَرَوَاها أَهْلُ البَصرَةِ أَنَّها كَانَتْ بَيْنِ عِمرَانَ بنِ الحُصَيْنِ وبينَ مُعَاوِيةَ، ورَوَاها أَهْلُ الشَّامِ أنها كَانَتْ بينَ أَبي ذَر وبينَ مُعَاوِيةَ، فَاضْطَربتْ الرِّوَايةُ فِيها، وإنَّمَا أَدخَلَها مَالِكٌ في المُوطَّأ لِقَوْلِ عُمَرَ بنِ الخطَّاب: "لا تُبَاعُ الفِضَّةُ المَصُوغَةُ بالمَضْرُوبةِ إلَّا وَزْناً بِوَزْنٍ"، وقالَ أيضا: "الدِّينَارُ بالدِّينَارِ، والدِّرْهمُ بالدِّرْهَمِ، ولَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِنَاجِزٍ" يَعنِي: لَا يُبَاعُ طَعَامٌ غَائِب بِطَعَامٍ حَاضِرٍ، كَانَ مِنْ صِنْفِهِ أَو مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ، ولَا يُبَاعُ شَيءٌ مِنَ العُرُوضِ بِشَيءٍ مِنْ صِنْفِهِ حَاضِرٌ بِغَائِب، وكَذَلِكَ جَمِيعُ الإدَامِ والأشْرِبةِ إلَّا المَاءُ وَحدَهُ، فإنَّهُ يُرَخَصُّ فِيه مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ كَثِيرٌ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (لا رِبَا إلَّا فِي ذَهبٍ، أَو فِضَّةٍ، أَو مَا [يُكَالُ] (٢)، أَو يُوَزَنُ، مِمَّا يُوكَلُ أَو يُشْرَبُ) قالَ عِيسَى: الرِّبا يَقَعُ عندَ مَالك فِيمَا ذَكَرَهُ ابنُ المُسَيَّبِ وغَيْرُهُ مِنَ الأَشْيَاءِ، يُعرَفُ ذَلِكَ على حَالِ نزولِها إذا تَعَامَلَ الرَّجُلاَنِ بالرِّبَا.
وقالَ غيرُ عِيسَى: مَغنَى قَوْلِ ابنِ المُسَيَّب: لا رِبَا إلَّا في ذَهبٍ، أَو فِضَّةٍ، أو مَا يُؤْكَلُ أَو يُشْرَبُ، مِمَّا يُكَالُ، أَو يُوزَنُ، أَنًّ المُنَاجَزَةَ إذا لَمْ تَكُنْ في الذهبِ، أَو الوَرِقِ، أَوفي الأَطْعِمَةِ، والأَشْرِبةِ إذا بِيعَ بَغضُ ذَلِكَ ببَعضٍ غَيْرَ مُنَاجَزَةٍ، ولَا يَداً بِيَدٍ فإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ رِبا، ولِذَلِكَ أَدخَلَهُ مَالِكٌ في المُوَطَّأ في بابِ المُنَاجَزَةِ، ولَم يَقْصِد ابنُ المُسَيَّبِ بِقَوْلهِ هذا إلى ذِكْرِ شَيءٍ مِنَ العُرُوضِ التي لَيْسَتْ مَأكُولَةً ولا مَشْرُوبَةً، فَيتأَوَّلُ عَلَيْهِ إجَازَةُ بَيع عَرْضٍ بِعَزضٍ مِنْ صِنْفِهِ مُتَفَاضِلاً إلى أَجَلٍ، هذا لَا يَقُولُهُ سَعِيدٌ، لأَنَّهُ رِبا، بِسَببِ التَّأخِيرِ، وَيجُوزُ ذَلِكَ يَداً بِيدٍ، لأَنَّ العُرُوضَ
(١) رواه مالك (٣٣٦٥)، والبخاري (٥٧٢٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، من حديث أبي أيوب الأنصاري.(٢) جاء في الأصل: يؤكل، والتصويب من الموطأ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.