للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فأصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول اللّه ، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد (١). تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث ولا سيما رواية أُم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.

وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن، فذكر القصة بتمام سياقها (٢)، وقول ابن عباس إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم، كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النشر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عنه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى (٣).

وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن يأتيها في [] (٤) هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه (٥). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع، قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر (٦). وروي من حيث مالك عن نافع، عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم،


(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن - النكاح - باب في جامع النكاح ح ٢١٦٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٩٦)، وذكر له الحافظ ابن كثير شواهد.
(٢) المعجم الكبير ١١/ ٧٧، وقوله: عرضت المصحف على ابن عباس … أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، مصرحًا بالسماع عن أبان (المستدرك ٢/ ٢٧٩) وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (ح ٤٥٢٦).
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ١٣٠)، والعيني (عمدة القاري ١٨/ ١١٧) أن هذا البياض وقع في جميع نسخ البخاري وإنه وقع في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في [الفرج]. وقد اطلعت على ما قاله الحميدي عن ابن عمر قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يأتيها فيه؛ يعني في الفرج (الجمع بين الصحيحين ٢/ ٢٨٠)، وقالوا: هو من عنده حسب ما فهمه. ولكن ذكر العيني توجيهًا سديدًا فذكر أن صنيع الحميدي نظرًا إلى حال البخارى أنه لا يرى خلافه، ولو كان الحميدي علم من حال البخاري أنه يبيح الإتيان في أدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر: يأتيها في أي موضع شاء كما صرح في رواية ابن جرير في نفس حديث عبد الصمد: يأتيها في دبرها (العمدة ١٨/ ١١٧).
(٥) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنهما، وإيراد الحافظ هذه الرواية بعد رواية البخاري. لتأييد ما ذهب إليه الحميدي والعيني وأن الرواية المخالفة المنسوبة إلى ابن عمر لا تصح كما سيأتي (وانظر للمزيد: فتح الباري ٨/ ١٩٠ - ١٩١).