أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل:"ما أطعمته إذ كان جائعًا ولا ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلًا" فأمره فردّ إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق (١). إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال:"من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه … " الحديث (٢)] (٣).
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيما أكل من اضطرار، وبلغنا، والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم (٤).
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار (٥).
وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضُحى، عن مسروق، قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات، دخل النار (٦)، [وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في "الاشتغال"، وهذا هو الصحيح عندنا (٧)، كالإفطار للمريض ونحو ذلك] (٨).
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ كتبهم التي بأيديهم مما يشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلّا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر
(١) أخرجه ابن ماجه السنن، التجارات، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه (ح ٢٢٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٦١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٣٣). (٢) أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز (ح ٢١٠٤). (٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح)، ونحو هذا النص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٦. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، عطاء بن دينار عنه. (٦) إسناده صحيح إلى مسروق. (٧) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٢. (٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم).