للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحكَ قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون ههنا حتى يستأصلون محمدًا وأصحابه، فقال له كعب: بل واللهِ أتيتني بذل الدهر، ويحكَ يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منكَ، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب (١) حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله ساءه وشقَّ عليه وعلى المسلمين جدًا، فلما أيده الله تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله يغتسل من وعثاء (٢) تلك المرابطة في بيت أُم سلمة ، إذ تبدَّى له جبريل معتجرًا (٣) بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال : "نعم" قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة.

وفي رواية فقال له: عذيرك (٤) من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال: "نعم" قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء، قال : "أين؟ " قال: بني قريظة، فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال : "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله ، إلا تعجيل المسير.

وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنِّف واحدًا من الفريقين، وتبعهم رسول الله ، وقد استخلف على المدينة ابن أُم مكتوم ، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ، ثم نازلهم رسول الله وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أُبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ، فظنَّ هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أُبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعدًا كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله في أكحله (٥) وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب، وقال سعد فيما دعا به: اللَّهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله من المدينة


(١) الذروة أعلى سنام البعير، والغارب مقدم السنام، وهذا مثل يضرب بحال من يريد إقناع غيره بأمر ويأبى عليه، ثم ينقاد له في نهاية الأمر، لأن الجمل النفور إذا أُريد تأنيسه فإن الرجل يمد يده عليه، ويمسح غاربه، ويُفتِّل وبره، حتى يستأنس، حتى يتمكن من وضع الزمام له.
(٢) الوعثاء: المشقة والتعب.
(٣) أي: قد لفَّ عمامته على رأسه.
(٤) أي: هات من يعذرك فيه.
(٥) أي: في وسط ذراعه.