ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: عهده ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، قال: يومًا فيه القتال فيصدق في اللقاء (١).
وقال الحسن: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلًا (٢)، وكذا قال قتادة وابن زيد (٣).
وقال بعضهم، نحبه: نذره (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب].
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد]، فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلًا به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته ﵎ بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فسلَّط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعاتهم، وردهم خائبين خاسرين
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه أبو عبيدة (ينظر فتح الباري ٨/ ٥١٨).