للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار (١)، وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضًا (٢).

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل، حائل، بائر، كافر، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يعظم لنا نورًا.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾.

يخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض؛ أي من الملائكة والأناسي والجان والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)[الإسراء].

وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله ﷿. ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.

ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، فهو الخالق المالك، ألا له الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والأخرة.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾.

يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكمًا، أي: يركب بعضه بعضًا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خلله، وكذا قرأها ابن عباس والضحاك (٣).

قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قمًا، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية به.
(٢) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه أبي حاتم بسند جيد من طريق سليمان بن عامر عنه.
(٣) هذه القراءة شاذة تفسير، وما نسب عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف عن طريق رجل مجهول عن ابن عباس، وقراءة الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق قتادة عنه.