للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده (١). وكذا قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ بفتح الباء (٢) من "يسبح" (٣) على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله: ﴿وَالْآصَالِ﴾ وقفًا تامًا

وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف، كما قال الشاعر:

ليبكَ يزيد ضارع (٤) لخصومة … ومختبطٌ مما تطيح الطوائح (٥)

كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه؟ وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ بكسر الباء فجعله فعلًا وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها (٦)، وصلاتها في مخدعها (٧) أفضل من صلاتها في بيتها" (٨).

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أُم سلمة، عن أُم سلمة ، عن رسول الله قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" (٩).

وقال أحمد أيضًا: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أُم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي" قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت واللهِ


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٣) قراءة متواترة.
(٤) أي: ذليل.
(٥) ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ٦٤٨.
(٦) أي: صحن الدار الذي تكون أبواب البيوت إليها.
(٧) أي: البيت الصغير الذي يكون داخل البيت يحفظ فيه الأمتعة النفيسة.
(٨) سنن أبي داود، الصلاة، باب التشديد في ذلك (ح ٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٣٣).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ١٦٤ ح ٢٦٥٤٢)، وحسن سنده محققوه بالشواهد.