الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارًا قد وطئ (١) عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: "اركب" فأبيت، فقال:"إما أن تركب وإما أن تنصرف قال: فانصرفت (٢)، وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم.
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بَقية، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُشر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: "السلام عليكم، السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور (٣)، تفرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير (ح)، قال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل، قال عثمان: سعد فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن فقام على الباب قال عثمان: مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ: "هكذا عنك، أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر" (٤). وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ؛ رواه أبو داود من حديثه (٥).
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته (٦) بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح (٧).
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب، فقال: "من ذا؟ " فقلت: أنا، قال: "أنا أنا" كأنه كرهه (٨)، وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
وقال العوفي، عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان، وكذا قال غير واحد (٩).
(١) أي: جعل عليه فراشًا وطيئًا. (٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان (ح ٥١٨٥)، وقال عنه الحافظ ابن كثير: جيد قوي. (٣) المصدر السابق (ح ٥١٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٨). (٤) سنن أبي داود، الأدب، باب في الاستئذان (ح ٥١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٠). (٥) المصدر السابق (ح ٥١٧٥). (٦) أي: فرميته. (٧) صحيح البخاري، الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه (ح ٦٩٠٢)، وصحيح مسلم، الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره (ح ٢١٥٨). (٨) صحيح البخاري، الاستئذان، باب إذا قال: أنا … (ح ٦٢٥٠)، وصحيح مسلم، الأدب، باب كراهة قول المستأذن: أنا … (ح ٢١٥٥). (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ومعناه صحيح.