حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج] (١)(٢)، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وعرفة والمزدلفة ورمي الجمار على ما أمروا به، وروي عن مالك نحو هذا.
وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر (٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق (٤).
قلت: وهكذا صنع رسول الله ﷺ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت، وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٥).
وقوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة، ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر وأخبر أن الحجر من البيت ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، عن هشام بن حُجير، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ طاف رسول الله ﷺ من ورائه (٦).
وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال: لأنه أول بيت وضع للناس (٧)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٨).
وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح (٩).
وقال خصيف: إنما سمي بالبيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.
وقال ابن أبي نجيح وليث، عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه (١٠)، وكذا قال قتادة.
وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك (١١).
(١) زيادة من (ح) و (حم). (٢) سنده صحيح. (٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٤) أخرجه مسلم من طريق طاوس عن ابن عباس بنحوه (الصحيح، الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ح ١٣٢٨). (٥) أخرجه مسلم كما في الرواية السابقة. (٦) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس ﵄. (٧) يشهد له ما يليه. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. (١٠) أخرجه عبد بن حميد (ينظر: تغليق التعليق ٣/ ٨٧)، والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد عن مجاهد.