هذا إخبار من الله ﷿ بأنه قد حتم وقضى بما عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ [الطلاق].
قال سُنيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سُخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرَّك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا: فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم. قال:"يا رب استأن بهم"(١). وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما (٢).
وروى الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. وقال:"لا، بل استأن بهم" وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٣)، ورواه النسائي وابن جرير به (٤).
(١) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لضعف سنيد وإرسال سعيد بن جبير، ويتقوى بالروايات التالية لما فيها من المتابعات والشواهد. (٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه لكنه مرسل وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه سُنيد أيضًا ولكنهما يتقويان بالروايات التالية. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ١٧٣ ح ٢٣٣٣)، وصححه أيضًا أحمد شاكر، وأخرجه الحاكم من طريق جرير به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٣٦٢). (٤) أخرجه الطبري والنسائي كلاهما من طريق جرير به (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] ح ١١٢٩٠). وسنده صحيح كسابقه.