تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤].
قال قتادة، عن الحسن: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أي: القارعة (١). وهذا هو الظاهر من السياق.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، في قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال محمد ﷺ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: "فتح مكة" (٢). وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية (٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: عذاب من السماء ينزل عليهم ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ يعني: نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم (٤). وكذا قال مجاهد وقتادة (٥).
وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس: ﴿قَارِعَةٌ﴾ أي: نكبة. وكلهم قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ يعني: فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة (٦).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ [إبراهيم].
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.
يقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: فلك فيهم أسوة ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أنظرتهم وأجّلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج].
وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (٧).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة به.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي داود الطيالسي به.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير تقدم مع رواية ابن عباس السابقة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار التالية.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.