وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن [المستودر](١) أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع" وأشار بالسبابة (٢). رواه مسلم في صحيحه (٣).
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ مرَّ بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال:"والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه"(٤).
يخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، كقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث: إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحوّل لهم الصفا ذهبًا، وأن يجري لهم ينبوعًا، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال:"بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة"(٥)، ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطًا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا، ولهذا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن
(١) كذا في (حم) و (مح) والمسند، وفي الأصل صُحِّف إلى: "المسور". (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٨) وسنده صحيح. (٣) أخرجه الإمام مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، الجنة، باب فناء الدنيا ح ٢٨٥٨). (٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ (الصحيح، مطلع كتاب الزهد والرقائق ح ٢٩٥٧). (٥) أخرجه الإمام أحمد بنحوه وصحح سنده محققوه (المسند ٤/ ٦٠ ح ٢١٦٦).