للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله بمضمون ذلك من حديث أنس (١)، وجابر (٢)، وأبي سعيد (٣)، وأبي هريرة (٤)، وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة.

وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أُمامة صدي بن عجلان الباهلي (٥)، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.

وقال قتادة: الله أعلم بثنياه (٦).

وقال السدي: هي منسوخة بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] (٧).

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.

يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ أي فمأواهم الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين مقيمين فيها أبدًا ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يُلهمون التسبيح والتحميد كما يُلهمون النفس.

وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها (٨).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه رجال مسكوت عنهم، ويشهد لهما ما تقدم في روايات الطبري.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] (ح ٤٤٧٦).
(٣) تقدم قبل صفحتين وهو في الصحيحين.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد (ح ٢٢٧٨).
(٥) المعجم الكبير (ح ٧٩٦٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٦٠٦).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، ومعناه: الله أعلم بمن يستثنى من العذاب المخلد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٨) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه بنحوه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سفيان بن الحسين عن الحسن البصري بنحوه.