منه صدقته، فقال:"ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو (١) على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ:"هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني" فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئًا، ثم أتى أبا بكر ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها.
فلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان ﵁ أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان (٢).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية، أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"(٣) وله شواهد كثيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة، وكلَّ سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.
وهذا أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهِم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
(١) أي يرمي. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ٨/ ٢٦٠ ح ٧٨٧٣) كلهم من طريق معان بن رفاعة به وسنده ضعيف جدًا كذا قال الحافظ ابن حجر (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٢٩٢)، والعلة في سنده من جهة معان بن رفاعة: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ١٣٤). وقد أفرد فضيلة د. عذاب محمود الحمش هذا الحديث برسالة مفردة فصل فيها الافتراء على هذا الصحابي الجليل بعنوان "ثعلبة بن حاطب ﵁ المفترى عليه". (٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح ٣٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح ٥٩).