كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين (١) ولا باعوثًا (٢)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملِّتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا (٣) على أنفسنا فلا ذِمَّة لنا، وقد حلَّ لكم مِنَّا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٤).
وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه، فبينما هو ذات يوم إذ مرَّ على جبانة (٥) وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه واكاسياه. فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت، قالت: يا عُزير فمن كان يعلِّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي
(١) الشعان: المنتفش الشعر، الثائر الرأس. (٢) الباعوث للنصارى كالاستسقاء للمسلمين (النهاية ١/ ١٣٩). (٣) أي ألزمنا أنفسنا. (٤) أخرجه الحافظ ابن كثير بسنده عن شيخه الحافظ المزي بسنده عن عبد الرحمن بن غُنم بطوله ونحوه (مسند الفاروق ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وفي سنده يحيى بن عقبة بن أبي العيزار: وهو كذاب (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٦٧ والمجروحين لابن حبان ٣/ ١١٧ والضعفاء الكبير للعقيلي ٤/ ٤٢١)، وذكر ابن كثير أن البيهقي أخرجه من يحيى بن عقبة أيضًا، كما ذكر أن الحافظ عبد الله بن أحمد بن زبر قاضي دمشق قد رواه في جزء جمعه في الشروط العمرية من طريق يحيى بن عقبة أيضًا، ثم رواه من طريق آخر عن محمد بن حمير (مسند الفارق ٢/ ٤٩٠)، ومحمد بن حمير مجهول وروى خبرًا منكرًا (لسان الميزان ٥/ ١٥٠)، وأخرجه ابن زبر بإسناد آخر فيه إبهام بعض شيوخه، ثم أخرجه من طريق بقية بن الوليد عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وهؤلاء ثلاثتهم فيهم مقال وقد عنعن بقية، ثم ختم الحافظ ابن كثير بقوله: فهذه طرق يشد بعضها بعضًا (المصدر السابق ٢/ ٤٩١)، وفيه نظر فإنها غير قوية، وخصوصًا أن المتن فيه تشديد في بعض بنود هذا الكتاب. (٥) أي الصحراء التي فيها القبور.