للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقتادة والأعمش أيضًا، أن المراد ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأُمة بإحلال الغنائم (١)، وهو اختيار ابن جرير .

ويُستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبُعثت إلى الناس عامة" (٢).

وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله : "لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا" (٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.

وقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، أن رسول الله جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة (٤).

وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله في تلك الجارية وابنتها، اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردَّهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين (٥)، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه من كتب الفقه.

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾.

قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله بن


(١) قول أبي هريرة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه بشير بن ميمون وهو متروك متهم كما في التقريب، وأخرجه الطبري من طريق آخر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وصححه أحمد شاكر، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق أبي وائل عنه وصححه أحمد شاكر، وقول قتادة والأعمش والحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد صحاح.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير آية ٤٣ من سورة النساء.
(٣) أخرجه الترمذي من طريق الأعمش به وقال: حسن صحيح (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنفال ح ٣٠٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٦٣)، وأخرجه الإمام أحمد وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٧٤٢٧).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فداء الأسير بالمال (ح ٢٦٩١)، وصححه الألباني دون لفظ: الأربعمائة (صحيح سنن أبي داود ح ٢٣٤٠).
(٥) أخرجه مسلم مطولًا عن سلمة بن الأكوع (الصحيح، الجهاد، باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى ح ١٧٥٥).