وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين، قال معمر: وقال بعضهم: هم قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم (١).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾.
يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا منكرًا، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
قال ابن جريج: عن مجاهد ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أستاههم، قال يوم بدر (٢).
قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم (٣).
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، في قوله: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يوم بدر (٤).
وقال وكيع: عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد (٥)، وعن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، "يضربون وجوههم وأدبارهم" قال: وأستاههم، ولكن الله يَكْني (٦)، وكذا قال عمر مولى غفرة (٧).
وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك، قال: "ذاك ضرب الملائكة" (٨) رواه ابن جرير وهو مرسل، وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها (٩)، وتقدم في
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل الثابتة والروايات السابقة.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وأخرجه من طرق أقوى عن مجاهد فيه متابعة لابن جريج.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٥) أخرجه الثوري في تفسيره به وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن يعلى بن مسلم به.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حرملة عن عمر مولى غفرة.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن لكنه مرسل.
(٩) آية ٢٧.