للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل وذهولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه أن عبدوا معه عجلًا جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله : "حُبكَ الشيء يعمي ويصمّ" (١).

وقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم: ﴿لئن لم ترحمنا﴾ بالتاء المثناة من فوق (٢) ﴿رَبُّنَا﴾ منادى ﴿وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله ﷿.

﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾.

يخبر تعالى أن موسى لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب (٣). ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.

وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من الله تعالى.

وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُردّ، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد، وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: "ليس الخبر كالمعاينة" (٤) ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا.

وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة (٥)، وقد ردّه ابن عطية وغير واحد من العلماء وهو جدير بالردّ، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.

وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)[طه] وقال


(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٩٣.
(٢) القراءة بالتاء "ترحمنا" متواترة.
(٣) أخرجه الطبري من طريق نصر بن علقمة عن أبي الدرداء وأطول. وسنده منقطع لأن نصرًا لم يسمع أبا الدرداء .
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا (المسند ٤/ ٢٦٠ ح ٢٤٤٧)، وصححه محققوه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢١).
(٥) سيأتي بطوله في الآية ١٥٤ من هذه السورة، وهو خبر مردود كما قال الحافظ ابن كثير.