اجتمع به وفرعون يعلم ذلك وإنما قال هذا تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] فإن قومًا صدقوه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم.
وقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال: التقى موسى ﵇ وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق. قال الساحر: لآتين غدًا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومننّ بك ولأشهدنّ أنك حق - وفرعون ينظر إليهما -. قالوا: فلهذا قال ما قال (١).
وقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على الجذوع.
قال ابن عباس: وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون (٢).
وقول السحرة: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك فلنصبرنّ اليوم على عذابك لنخلص عن عذاب الله ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇ -وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه] فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة.
قال ابن عباس وعبيد بن عمير وقتادة وابن جريج: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء (٣).
(١) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الضعيف منها والصحيح. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري من هذا الطريق إلى ابن عباس، ولكن في سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس، والسدي لم يسمع ابن عباس، وقول عبيد بن عمير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو ابن داود، عن حجاج عن ابن جريج ورواه عن مجاهد.