للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أي ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)[النحل].

﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.

﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.

يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿الْغَنِيُّ﴾ أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ أي: قومًا آخرين، أي يعملون بطاعته ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)[النساء] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)[فاطر].

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].

وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الذرية الأصل والذرية النسل (١).

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ أي: أخبرهم يا محمد، أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا، هو قادر لا يعجزه شيء.

وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثني أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حِمْيَر، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي أنه قال: "يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعُدّوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ " (٢).

وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر


(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن بكير به، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم.