للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)[مريم] وكقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)[يس] وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)[سبأ] ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وخلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)[الصافات] ومعنى الآية: أنه هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له.

وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى عن ضلال من ضلّ، في وصفه تعالى بأن له ولدًا كما يزعم من قاله من اليهود في عزير، ومن قال من النصارى في عيسى، ومن قال من مشركي العرب في الملائكة، إنها بنات الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا -، ومعنى ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي: اختلقوا وائتفكوا وتخرصوا وكذبوا، كما قاله علماء السلف:

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وخرقوا يعني تخرصوا (١).

وقال العوفي، عنه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: جعلوا له بنين وبنات (٢). وقال مجاهد: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قال: كذبوا وكذا قال الحسن (٣)، وقال الضحاك: وصفوا (٤).

وقال السدي: قطعوا (٥).

قال ابن جرير: وتأويله إذًا وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياهم، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه لا ينبغي لمن كان إلهًا، أن يكون له بنون وبنات، ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك (٦)، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم، عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون، من الأولاد والأنداد والنظراء والشركاء.

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما، وخالقهما، ومنشئهما، ومحدثهما، على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي (٧): ومنه سميت البدعة بدعة، لأنه لا نظير لها فيما سلف، ﴿أَنَّى


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم، وفي (عش) و (مح) بلفظ: "وضعوا".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) ذكره الطبري بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: "ابتدعهما فخلقهما، ولم يخلق قبلها شيئًا فيتمثل عليه"، ثم قال: وروي عن مجاهد نحو ذلك.