للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

[القصص: ٦٢] ويقال لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)[الشعراء] ولهذا قال ههنا ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: في العبادة لهم، فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم.

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي شملكم، وبالنصب (١) أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائب ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي ذهب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)[البقرة] وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)[المؤمنون] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)[العنكبوت: ٢٥] وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية [القصص: ٦٤]، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤] والآيات في هذا كثيرة جدًّا.

﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.

يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها، من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى، ولهذا فسر قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى، الذي هو كالجماد الميت، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].

وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ثم فسره ثم عطف عليه قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل: يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها.

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فاعل هذا، هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟

وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، أي: فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار


(١) كلتا القراءتين متواترتان.