للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك؛ أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم (١).

وقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم (٢). وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم، حينئذٍ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.

يقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: ذكر الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة.

وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل.

قال الضحاك، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل تسلم (٣).

وقال الوالبي، عن ابن عباس: تفتضح (٤).

وقال قتادة: تحبس (٥).

وقال مُرَّةُ وابن زيد: تؤخذ (٦).

وقال الكلبي: تجزى (٧).

وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)[المدثر] وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)[البقرة: ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها،


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقيه.
(٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن، الضحاك لم يسمع من ابن عباس، ويشهد له الآثار التالية: فقول مجاهد وعكرمة والحسن أخرجه الطبري بأسانيد صحاح، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق الوالبي به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٦) قول ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٧) أخرجه الطبري عن الكلبي، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.