في النهار كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم من الأعمال فيه ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي (١).
وقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير؛ أي: في المنام (٢). والأول أظهر، وقد روى ابن مردويه بسند: عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:"مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويرده إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه" فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر،
وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وحفظة يحفظون عمله ويحصونه كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ الآية [الانفطار] وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة (٤)، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن ابن عباس وغيره بالصحة.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله ﷿، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذًا بالله من ذلك.
وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الملائكة (٥) ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان،
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير بلفظ: "ليقضي أجل مدتهم". (٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طرق عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس. (٥) ذكره الطبري بدون سند.