للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي: عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم.

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم.

وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني: الربانيين أنهم بئس ما كانوا يصنعون (١)، يعني: في تركهم ذلك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال: لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين علموا، قال: وذلك الأركان، قال: ويعملون ويصنعون واحد (٢)، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهىَ (٣)، رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم، ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال: لقيته بالري فحدث عن يحيى بن [يعمر] (٤) قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلًا (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن


(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والقراءة بلفظ يعملون شاذة.
(٤) كذا في (حم) و (مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "معمر" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة ثابت الهمداني في التقريب وميزان الاعتدال ١/ ٣٦٩).