للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله ليلًا فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)(١).

ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ يعني: الذين أتوا رسول الله مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)[النساء: ١١٠] يعني: الذين أتوا رسول الله مستخفين بالكذب ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)[النساء: ١١١] يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية: إنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة (٢).

وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حَدَّثَنَا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر (٣) وبشير (٤) ومبشر (٥)، وكان بشير رجلًا منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان: كذا وكذا، وقال فلان: كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (٦) من الشام من الدَّرمَك (٧) ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم


(١) أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس، وسنده ضعيف.
(٢) أخرج هذه الآثار الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا ويتقوى أيضًا بالرواية المرفوعة التالية.
(٣) بشر هو ابن الحارث بن عمرو بن حارثة الظفري الأنصاري صحابي (الاستيعاب ١/ ١٥٤).
(٤) بشير هو أبو طعمة بن الحارث الأنصاري الشاعر وكان منافقًا يهجو النَّبِيّ ، أسلم وشهد أحد ثم ارتد سنة أربع (السيرة لابن هشام ١/ ٥٢٤)، والاستيعاب ١/ ١٥٤.
(٥) هو ابن الحارث بن عمرو الأنصاري شهد أُحدًا صحابي (الاستيعاب ٣/ ٤٥٦).
(٦) ضافطة: الضافط الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن (النهاية ٣/ ٩٤).
(٧) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض (النهاية ٢/ ١١٤).