للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الآية [الجن]، ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل [أمر ماله] (١) يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني: بشقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (٢)، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به (٣).

(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا [حُجين] (٤) بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ، قال: "إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعًا (٥) أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك" (٦) وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به (٧). ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

(قلت): ولا منافة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم.

وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة به (٨).


(١) كذا في (عف) و (مح)، وفي الأصل: "أمرنا له"، وفي (حم): "أمره إليه".
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ … ﴾ آل عمران: ١٨٠] ح ٤٥٦٥).
(٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٣٢٥٨).
(٤) كذا في (عف) و (مح)، وفي (حم): "حجر"، وفي الأصل: "حجاج" والصواب ما أثبت كما في المسند وترجمته في التقريب.
(٥) الشجاع: الحية.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٢٢ ح ٥٧٢٩) وصححه محققوه.
(٧) سنن النسائي، الزكاة، باب مانع زكاة ماله ٥/ ٣٨، وصحح إسناده المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٥٤٠).
(٨) يشهد له ما تقدم في صحيح البخاري.