للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.

قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول يدعو الناس: "إليّ عباد الله، إليَّ عباد الله" فذكر [الله] (١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد (٣).

وقال عبد الله بن الزبعري (٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:

يا غراب البين أسمعت … إنما تنطبق شيئًا قد فعل

إن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقَبَل

إلى أن قال:

ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل

ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا … وقصّ الحفّان يعلو في الجبل

فقتلنا الضعف من إشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (٥)

الحفان: صغار النعم.

وقد كان النبي قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ، قال: جعل رسول الله على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] (٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله


(١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل، وقد ورد في (عف) و (ح) و (مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس أخرجهما الطبري بأسانيد حسان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه لكنه معضل.
(٤) في الأصل: "الربعي" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و (ح) و (مح)، وسيرة ابن هشام كما سيأتي.
(٥) ذكره ابن إسحاق وذكر ردَّ حسان بن ثابت عليه (انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٦) ما بين معقوفين زيادة من المسند كما في التخريج، ولم تذكر في النسخ التي بين يدي.