الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين [مِلّة](١)، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة - يعني: الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي: الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب (٢) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" واللّه يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به (٣). وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة واسمه: عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد رُوي هذا الحديث من طرق (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس ﵄(٥). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون (٦). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وهذا الوصف يعمّ كل كافر
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ يعني: الجنة ماكثون فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا.
وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن ربيع وهو: ابن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أُمامة رؤوسًا منصوبة على درج [مسجد](٧) دمشق، فقال أبو أُمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ … إلى آخر الآية، قلت لأبي أُمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؛ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا - حتَّى عد سبعًا - ما حدثتكموه (٨). ثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب [وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه](٩)(١٠).
(١) في الأصل: "فرقة" والمثبت من (عف) و (ح) و (حم) و (مح) ومسند أحمد كما في التخريج. (٢) الكلب: داء يعرض للإنسان من عضِّ الكلب الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتَّى يموت عطشًا. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٢) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة، باب شرح السنة ح ٤٥٩٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق الحكم بن نافع البهراني عن صفوان به ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث، ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨). (٤) تقدمت رواية أبي داود في الحاشية السابقة، وذكره الحاكم من طرق أخرى (المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه مجاشع بن عمرو وهو متروك (الجرح والتعديل ٨/ ٣٩٠). (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن عباد بن منصور عن الحسن. (٧) لفظ: "مسجد"، سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح) والتخريج. (٨) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٠٠٠)، وفي سنده أبو غالب وهو صاحب أبي أُمامة وهو صدوق يخطئ (التقريب ١/ ٢٠٤) ومدار الحديث متوقف عليه كما سيأتي. (٩) سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ذكر الخوارج ١/ ٦٢ (ح ١٧٦)، ومسند أحمد ٥/ ٢٥٣ وقد خرجته في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم من طريق كثيرة مدارها كلها على أبي غالب (التفسير، سورة آل عمران رقم ٩٧) ونقلت عن الخليلي قوله: وروى عن أبي غالب أكثر من بضع وسبعين نفرًا (الإرشاد في علماء البلاد ل ٦٧ ب و ١٦٨). (١٠) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و (ح) و (مح) و (حم)، وهو في المسند كما تقدم في الحاشية السابقة.