له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردُّوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا (١) في عينيه وردًا عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًا مرسلًا فلاعنَّاه، لا يبقى منَّا على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأي أن أحكمه، فإني أرى رجلًا لا يحكم شططًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ، فقال له: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك. فقال:"وما هو؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ:"لعلَّ وراءك أحدًا يثرِّب عليك"؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي (٢) ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة (٣) وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلّة، في كل رجب ألف حلّة، وفي صفر ألف حقة" وذكر تمام الشروط وبقية السياق (٤).
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرَّا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ: "والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارًا" قال جابر: وفيهم نزلت ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ قال جابر: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة (٥). وهكذا رواه
(١) في الأصل: "طعن"، وصححت في (عف) كما هو مثبت. (٢) كذا في (عف) و (ح) و (حم)، وفي الأصل: "الرأي" وهو تصحيف. (٣) في الأصل: "في كل غرة" وهو تصحيف. (٤) دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٩ وفي سنده سلمة بن عبد يشوع، ذكره ابن قطلوبغا، وذكر أنه لم يقف على ذكر له ولا لأبيه ولا جده (من روى عن أبيه عن جده ص ٢٥٦). وذكر الحافظ ابن كثير في مطلعه أن فيه غرابة، ومن هذه الغرائب مطلع الكتاب: باسم إله إبراهيم .... وقد نقده ابن القيم بقوله: لا أظن ذلك محفوظًا، وقد كتب إلى هرقل: "بسم الله الرحمن الرحيم " هذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك (زاد المعاد ١/ ٦٤٢). (٥) في سنده بشر بن مهران قال ابن أبي حاتم: ترك أبي حديثه كما في الجرح والتعديل، وقد توبع في رواية الحاكم لكن ذكر الحافظ ابن كثير أن المرسل عن الشعبي أصح كما سيأتي في الحديث الآتي.