قول مُعَتِّب بن قُشَير (١)، ما اسمعه إلا كالحلم يقول:{لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. فحفظتها منه) (٢).
وقرأ عامة قراء الحجاز والعراق:{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} بنصب الكل على النعت للأمر. وقرأه بعض قراء البصرة {كلُّه} بالرفع على الابتداء، وخبره {لله} والجملة خبر {إن}، والقراءة الأولى أشهر عند القراء. وهي اختيار ابن جرير.
قل -لهؤلاء المنافقين- يا محمد: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا الموقف والحرب كما تحبّ نفوسكم، لظهر للموضع من قد كتب عليه القتل فيه، ولخرج لينال مصرعه في المكان الذي كُتب عليه أن يصرع فيه.
وقوله:{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: ليكشف الله بالاختبار المؤمن من المنافق فيظهر أمره، فيميز الخبيث من الطيب.
وقوله:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم، مما استخفَوْا به منكم - أيها المؤمنون.
وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}. عتاب من فرّ من المؤمنين بأحد، وإنما دعاهم إلى هذه الزلة الشيطان.
وقوله:{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}. قال ابن جريج:(إذ لم يعاقبهم). {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عاصم، عن شقيق، قال: (لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جَفَوْتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفرّ يوم عَيْنَيْن - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنَّة عمر. قال: فانطلق فَخَبَّرَ ذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله إني لم أَفِرَّ يوم عَيْنَيْن، فكيف يُعَيِّرني بذنب وقد عفا الله عنه، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
(١) معتب بن قشير: هو أحد المنافقين من أتباع ابن سلول. قيل تاب بعد ذلك، والله أعلم. (٢) حديث حسن. أخرجه الطبري (٨٠٩٣) , (٨٠٩٤)، والبيهقي (٣/ ٢٧٣)، وإسناد الطبري حسن، رجاله ثقات، وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث.