ولا يستبعد عذاب الجسد البالي بعد مضي الدهور، والأعصار عليه، لأن أمور الآخرة بناؤها على خلاف عالم الشهادة، واللَّه تعالى كما جعل الروح متعلقة بالجسم حال كونه غضًا طريًا قادر على أن يجعله متعلقًا به يابسًا بعد ما صار غبارًا، ليس الحال يتفاوت بالنظر إلى القدرة (١).
وكذا سوال الملكين قد نطق به الأحاديث الصحاح (٢) مع إمكانه،
(١) مذهب سلف الأمة، وأئمتها أن عذاب القبر، ونعيمه يكون للروح، والبدن، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة، وإنما تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم، أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين، واليهود، والنصارى، وذهبت الفلاسفة إلى أن النعيم والعذاب لا يكون إلا للروح فقط، وأن البدن لا ينعم، ولا يعذب، وهؤلاء ينكرون معاد الأبدان وقد أجمع المسلمون على تكفيرهم. وقال كثير من المعتزلة: الأرواح هي المنعمة، أو المعذبة في البرزخ فقط، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح، والبدن معا، واختاره طائفة من أهل الكلام، والحديث، ورجحه ابن حزم، وابن مرة، وذهب البعض إلى أن العذاب، أو النعيم يكون على البدن فقط بناء على إنكارهم بقاء الروح بعد فراق البدن. راجع: الروح لابن القيم: ص/ ٥١ - ٥٢، وشرح الطحاوية: ٢/ ١٦٣، وشرح المقاصد: ٥/ ١١٧. (٢) ورد أحاديث في ذلك نكتفي بذكر حديث أنس بن مالك رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه، ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد =