للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والدليل -عليه- عقلًا، ونقلًا.

أما عقلًا: فلأن الأنبياء معصومون، مع ما فيهم من الشواغل، والقوى الشهوانية، والغضبية، فالقيام بالعبادة، مع تلك الشواغل أشق، وأحمز، وكل ما كان أشق كان أبلغ في استحقاق الثواب.


= وما يقال: إنه لا عبرة بالظنيات في باب الاعتقادات، فإن أريد أنه لا يحصل منه الاعتقاد الجازم، ولا يصح الحكم القطعي، فلا نزاع فيه، وإن أريد أنه لا يحصل الظن بذلك الحكم، فظاهر البطلان وذهب فريق آخر إلى نفي العصمة عنهم مستدلين على ذلك بقوله تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: ٣٠].
قالوا: ولا يخفى ما فيه من وجوه المعصية، ففيه غيبة لمن يجعله اللَّه خليفة بذكر مثالبه، وفيه العجب، وتزكية النفس، وفيه أنهم قالوا ما قالوه رجمًا بالظن، واتباع الظن في مثله غير جائز، وفيه إنكار على اللَّه فيما يفعله، وهو من أعظم المعاصي.
الثاني: أن إبليس عاص، وهو من الملائكة بدليل استثنائه منهم في قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ} [الحجر: ٣٠ - ٣١] وبدليل أن قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا} [البقرة: ٣٤] قد تناوله، وإلا لما استحق الذم. ولما قيل له: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: ١٢] وقد ردَّ عليهم العضد، والتفتازاني، بأن الدليل الأول كان منهم استفسارًا عن الحكمة لا اعتراضًا منهم.
والغيبة: إظهار مثالب المغتاب، وذلك إنما يتصور لمن لا يعلمه، وكذلك التزكية، ولا رجم بالظن، وقد علموا ذلك بتعليم اللَّه، أو بغيره، وبأن ما استدلوا به ثانيًا - فإن إبليس كان من الجن، وصح الاستثناء، وتناوله الأمر للغلبة، وكون طائفة من الملائكة مسمين بالجن خلاف الظاهر، مع أن ذكره في معرض التعليل لاستكباره، وعصيانه يأباه.
راجع: المواقف للعضد: ص/ ٣٦٦ - ٣٦٧، وشرح المقاصد: ٥/ ٦٣ - ٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>