للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: ٦] (١) وكم من ظالم لا يأكل في عمره إلا حرامًا طلقًا، فلو لم يسمى ما يأكله رزقًا كيف تستقيم الآية (٢)؟

قالوا (٣): أمر بالإنفاق من الرزق فقال: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: ٢٥٤]، ومدحهم على الإنفاق من رزقه، فقال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: ٣].


(١) ولقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: ٥٨].
(٢) يعني أن المعتزلة يقولون: إن من لم يأكل في عمره إلا الحرام لم يرزقه اللَّه تعالى أصلًا، وهذا مخالف للآية التي ذكرها الشارح، لأنه تعالى لا يترك ما أخبر بأنه عليه، كما أن الرزق عند الاطلاق يقصد به أمران:
الأول: ما ينتفع به العبد، وهو المراد بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها" ونحو ذلك.
الثاني: ما يملكه العبد، وهذا هو المراد في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: ٣] وقوله: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون: ١٠] وهذا هو الحلال الذي ملكه اللَّه إياه، والعبد قد يأكل الحلال، والحرام، فهو رزق بالاعتبار الأول لا بالاعتبار الثاني. وما اكتسبه، ولم ينتفع به هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول، فإن هذا في الحقيقة مال وارثه لا ماله.
راجع: مجموع الفتاوى: ٨/ ٥٤١، وشرح المقاصد: ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، وتشنيف المسامع: ق (١٦٤/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٦٤/ ب - ١٦٥/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤١٣، وهمع الهوامع: ٤٥١ - ٤٥٢، ومقالات الإسلاميين: ص/ ٢٥٧.
(٣) يعني المعتزلة وبيان مذهبهم: أن من حصل الرزق بغير تعب فاللَّه هو الرزاق له، ومن حصل له بتعب، فهو الرازق لنفسه، ولا يطلق اسم الرزق عندهم إلا على الحلال لاستناده إلى اللَّه في الجملة والمستند إليه لانتفاع عباده يقبح أن يكون حرامًا يعاقبون عليه، ورد عليهم بأنه لا قبح بالنسبة إليه تعالى يفعل ما يشاء، وإنما عاقبهم على الحرام لسوء مباشرتهم أسبابه. =

<<  <  ج: ص:  >  >>