قلنا: كل ذلك مسلم، ولفظ القرآن، والكلام مشترك بين المعنيين، أو مجاز في تلك الألفاظ صار حقيقة عرفية لا يجوز سلبها، وإليه أشار المصنف على الحقيقة لا المجاز، مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا، مقروء بألسنتنا (١).
ولكن لا يكفي ذلك في وصفه تعالى بكونه متكلمًا، لأن تلك المعاني ليست قائمة به تعالى، ولا يصير متكلمًا بكلام لا يقوم به.
ويجوز أن يكون معنى قول مشايخ أهل السنة أن القرآن هو المقروء بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا، المكتوب في مصاحفنا، هو المعنى القديم، وصفًا للمدلول بصفة الدال، أي: المفهوم من القراءة، المعلوم من الخطوط والألفاظ المسموعة، وهذا معنى قولهم: القراءة حادثة (٢)، والمقروء قديم وإلا فالمقروء الذي هو الألفاظ، والحروف الذي يتكلم به المتكلم الحادث لا يعقل كونه قديمًا.
قالوا: لو كان كلامه أزليًا لزم الكذب في أخباره في نحو، قوله:{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا}[نوح: ١]، وقوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}[الحجر: ٨٧]، ولو اتصف بالكذب في الأزل امتنع صدقه، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
(١) راجع: ما قاله شراح كلامه في هذه المسألة: تشنيف المسامع: ق (١٥٥/ أ - ب)، والغيث الهامع: ق (١٦٢/ أ - ب)، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٠٨ - ٤٠٦، وهمع الهوامع: ص/ ٤٤٨. (٢) تقدم بأن التلاوة، والقراءة لا توصف بالحدوث، ولا بالقدم، لكن الصوت حادث.