وخالف في ذلك جميع الفرق زعمًا منهم أنهم لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف، فالحنابلة، والحشوية (١) على أن القرآن هو الحروف المنتظمة المترتبة، ومع كون كل كلمة منه مسبوقة بأخرى (٢) كان ثابتًا في الأزل قائمًا به تعالى (٣)، وأن المسموع
(١) تقدم معنى الحشو، ومن الذين يصح إطلاق هذا اللفظ عليهم في ١/ ٤٢٢. (٢) آخر الورقة (١٤٠/ ب من أ). (٣) قد تقدم في أول الكتاب الإشارة إلى ذكر المذهب الحق عند ذكره الكلام النفسي، عند الكلام على الحكم وتعريفه: ١/ ٢١٦، وخلاصة مذهب أهل السنة، والجماعة في هذه المسألة المهمة والتي امتحن وعذب فيها بعض السلف رحمهم اللَّه تعالى، هو أن اللَّه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته يتكلم بها بمشيئته، وقدرته، فهو لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء، وما تكلم اللَّه به، فهو قائم به ليس مخلوقًا منفصلًا عنه، كما تقول المعتزلة، ولا لازمًا لذاته لزوم الحياة لها كما تقول الأشاعرة بل تابع لمشيئته وقدرته، واللَّه سبحانه وتعالى نادى موسى بصوت، ونادى آدم وحواء بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولكن الحروف والأصوات التي تكلم اللَّه بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين، وحروفهم، كما أن علم اللَّه القائم بذاته ليس مثل علم عباده، فإن اللَّه لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته. فالقرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق منه بدأ، وإليه يعود، واللَّه تكلم به على الحقيقة، فهو كلامه حقيقة لا كلام غيره، وإذا قرأ الناس القرآن، أو كتبوه في المصاحف لم يخرج ذلك عن أن يكون كلام اللَّه، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من بلغه مؤديًا، واللَّه تكلم بحروفه ومعانيه بلفظ نفسه، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا لجبريل، ولا لمحمد، ولا لغيرهما، وكما أن القرآن كلامه، فكذلك هو كتابه =